البث الحي

الاخبار : متفرقات

المجمع الكيميائي بقابس

أزمة التلوث في قابس : متى تنتهي المعاناة؟

بقلم : سعاد الفيلالي

 من المعلوم أن الوضع البيئي في ولاية قابس قد اصبح في الفترة الاخيرة اكثر من متردي و ينذر بكارثة على كل المستويات  وهذه حقيقة  يعيشها اهالي قابس في جو من الترقب و الفزع رغم  لا مبالات  الحكومات المتعاقبة  و التعتيم على هذا الملف

وقد أصبح التلوث في مدينة قابس يمثل هاجسا يؤرق أهاليها بعد أن خلف آثارا خطيرة  على كل مقومات الحياة اليومية من فلاحة وصيد بحري وسياحة وبالأخص على الجانب الصحي.

معاناة متواصلة منذ عدة سنوات بسبب المخاطر التي سببها التلوث المتأتي من المجمع الكيمياوي خاصة بعد الزيادة في طول مداخنه مما جعل نفث الغازات السامة يصل مداه الى حوالي 35 كلم . وقد استفحل الأمر في الفترة الأخيرة مما دفع أهالي مدينة الحامة التابعة لولاية قابس بالتهديد  بقطع الماء الذي يضخ الى المجمع الكيمياوي  والمقدر ب25 ألف متر مكعب .

مشكل غابت عنه الحلول الجذرية مما ساهم في تدهور الوضع البيئي  بالجهة  فتغيير مكان المجمع أو غلقه كما نادى بذلك بعض الاطراف ليس بالحل الأنجع لأنه سيؤثر حتما على الوضع الاقتصادي بالجهة التي تشكو من نقص كبير في النسيج الصناعي .

مظاهر التلوث بقابس اصبحت واضحة للعيان, في واحات النخيل وعلى السواحل وعلى ملامح السكان الباهتة جراء الاستنشاق اليومي للهواء الملوث يصل حد الاختناق في الكثير من الحالات زد على ذلك تضرر المائدة المائية ووصول التلوث الى المياه الصالحة للشرب .

  صورة قاتمة لمدينة كانت بالأمس واحة غناء يطيب فيها العيش و المقام وتزدهر فيها السياحة اما اليوم فقد هجرها الزوار و اصبح اهلها يصفونها بالمقبرة الجماعية التي تلتهم سكانها شيئا فشيئا.

  أصحاب الواحات و الغابات في قابس يحدثونك بكل مرارة عن هول الكارثة التي لحقت اراضيهم  بسبب « البخارة » في الميناء , موت بطيئ للنخيل والزراعات والبقول التي أحرقتها الغازات المنبعثة صباحا مساءا وفي كل وقت .

قابس  - تلوث

كما أثر التلوث على النشاط السياحي بالمدينة  فتقلص عدد السياح وهجروا شواطئها وواحاتها بعد أن رأوا بالعين المجرة كيف تحولت زرقة السماء الى اللون الاصفر القاني نتيجة انتشار السموم المنبعثة من « بخارات » المجمع الكيميائي واكتساحها الاجواء البرية و البحرية.

 قابس التي كان اهلها يتباهون  بمناظرها الطبيعية الخلابة وهي من ولايات الجمهورية التونسي القليلة التي تجمع بين الصحراء والواحة والبحر في لوحة متناسقة شاهدا على مميزات عديدة  ذكرت في كثير من كتابات الرحّالة والجغرافيين القدامى الّذين مرّوا بالمنطقة باعتبارها معبرا يصل الغرب بالشرق  فكثيرون هم الذين زاروا قابس وتركت في نفوسهم اثرا جميلا ومنهم ابن حوقل والمقدسي وابن بطوطة والتجاني وابن الفقيه وقدامة بن جعفر وغيرهم كثيرون وقد اتفقوا جميعا على وصفها  بانها جنة على وجه الأرض يطيب فيها العيش ويقصدها الناس من كل مكان للراحة والاستجمام.

هذا المشهد الرائع عرف تحولا كبيرا منذ سبعينات القرن الماضي اثر انشاء عدة مصانع  على امتداد الشريط الساحلي لخليج قابس وكان اهمها المجمع الكيميائي بمنطقة غنوش وقد لقيت عملية تصنيع الجهة في البداية ترحيبا واسعا بما أنها كانت سببا في امتصاص نسبة مهمة من البطالة التي كانت متفشية في الاوساط الشبابية خاصة  ولكن مع الايام والسنوات بدأت تظهر مشاكل بيئية معقدة ناتجة عن إفرازات المصانع التي كانت تلقي يوميا  بكميات ضخمة من الفوسفوجيبس في مياه البحر تصل الى حدود 15 الف طن تسببت في ظهور طبقة  من الفوسفوجيبس  تمتد على 60 كم مربع على شكل غلاف سميك أثّر على سلامة مياه الخليج وعلى المد والجزر فيها  وقضت على الثروة السمكية وقتلت النباتات البحرية  كما تسببت في هجرة أنواع كثيرة من الأسماك كانت تأتيه لتتكاثر في شعبه المرجانية ونباتاته الكثيفة قبل أن “يتصحر” البحر ويتقلص التنوع البيولوجي بشكل كبير فلم يبق الا عدد قليل من أنواع الاسماك القادرة على التكيف مع التلوث وأدى كل ذلك الى القضاء على الصيد الساحلي الذي تقتات منه عديد العائلات متوسطة الدخل.

فوسفوجيبس000

وحسب بعض الدراسات فقد كان عدد أنواع الأسماك يصل إلى حوالي 3400 نوعا باعتبار أنّ خليج قابس بيئة ملائمة للتكاثر أساسها انتشار أنواع كثيرة من النباتات والأعشاب ومساهمة العيون الجارية في التخفيف من حدة ملوحة البحر

 أدى هذا التلوث في ولاية قابس إلى اختلال التوازن البيئي بالقضاء على  أنواع معينة من أعشاب و تلاشي حوالي ثلثي الحيوانات الكبيرة العائمة التي كانت تتواجد بكثرة في مياه خليج قابس.

أما في الجانب الصحي فحدث ولا حرج  فقد اثبتت التحاليل الطبية التي اجراها المختصين  في اكثر من مناسبة  للعديد من المرضى و المصابين بأمراض متنوعة يصنف اغلبها من النوع الخطير ان الوضع كارثي يدعو الى دق نواقيس الخطر المحدق بحياة السكان نتيجة هذه المواد السامة التي تخرج من مداخن الموت و تسبب امراضا عديدة كضيق التنفس وهشاشة العظام والسرطان والامراض الجلدية بل أن تأثيرها يتعدى إلى الأجهزة الهضمية والتناسلية وقد اقر المعهد الوطني للصحة والسلامة المهنية بوجود هذه الأمراض الناتجة عن التلوث.

 وقد تحولت هذه الكارثة البيئية في قابس الى حديث الصحافة العالمية فقد نشر الموقع الإيطالي “lucidamente” في 08 فيفري 2018 مقالا بعنوان “تونس- قابس: الواحة تكتسب اللونين الأبيض والاسود” استعرض مظاهر ما وصفه بالكارثة البيئيّة في قابس الناتجة عن التلوث الذي تخلفه « البخارة »  الكيميائية  التي تنفث سمومها في الهواء وتصب مخلفات الفسفاط في مياه البحر.

وتحدّث الموقع عن معاناة أهالي المنطقة الصحية والاجتماعية حيث تسبب التلوث البيئي في مشاكل صحيّة لا حصر لها كما أدى إلى تضرّر المائدة المائيّة والقضاء على الثروة السمكيّة في منطقة خليج قابس.

 ويبقى الاشكال الرئيسي في عدم تطبيق القوانين الوطنية والمعاهدات الدولية التي أمضت عليها تونس ضمانا لحق الأجيال القادمة في بيئة سليمة وعيش كريم.

 فما جدوى مثل هذه التشريعات عندما يصبح الوطن مقبرة لأبنائه؟

بقية الأخبار

الميثاق-التحريري

ذبذبات البث

frequence FM

ak

الأخبار المسجّلة

rd

rg

blagat

خدمات

job

تابعونا على الفيسبوك

النشرة الجوية

meteo1

مدونة سلوك

الميثاق التحريري

radio Tataouine