الذكرى 70 للاستقلال : استحضار ل "عبقرية" كفاح وطني راوح بين مرحلية المفاوضات السياسية وحماسة المقاومة الشعبية

لم يكن يوم 20 مارس 1956 مجرد يوم عابر، بل يوما مفصليا في تاريخ تونس، قطع مع 75 سنة من قيود الاستعمار الفرنسي الغاشم، بالتوقيع على وثيقة الاستقلال بباريس، واعتراف فرنسا رسميا بأن تونس دولة مستقلة وذات سيادة على كامل جغرافيتها المنهوبة منذ 12 ماي 1881 ، تاريخ امضاء "معاهدة باردو" بين فرنسا والصادق باي التي فرضت بموجبها الحماية الفرنسية على تونس.
فعيد الاستقلال المجيد، الذي تحيي تونس اليوم الجمعة ذكراه السبعين، هو دعوة لاستحضار تاريخ نضالي اتسم بمحطات مفصلية ووقائع سياسية متشعبة وصيرورة حافلة بالأحداث سبقت الاستقلال.. وهو مناسبة متجددة للاستلهام من هذه الملحمة الوطنية جيلا بعد جيل، والتمعن في "عبقرية" العقل التونسي الذي راوح في كفاحه الوطني بين سياسة المفاوضات على مراحل وحماسة المقاومة الشعبية.. وهو كذلك فرصة لتقييم سبعة عقود من مسار بناء دولة الاستقلال الحديثة.
// معركة البدايات أطلقتها القبائل
قال عماد الجربي أستاذ التاريخ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بصفاقس، في تصريح لوكالة تونس افريقيا للأنباء، "إن التونسيين لم يقبلوا المستعمر منذ البداية ولم ينتظروا طويلا، فقد تحركوا منذ أن وطأت أقدام الجيش الفرنسي أرضهم في أفريل 1881".
وذكّر بأن معركة "بني بشير" التي اندلعت في 30 أفريل 1881 في الشمال الغربي التونسي، وصمود قبائل "نفات" و "جلاص" و"الهمامة" و"الفراشيش" إضافة الى قرى الساحل.. تبقى علامات مضيئة عبرت عن رفض التونسيين للاستعمار الفرنسي منذ السنوات الأولى، مشيرا الى أن هذه القبائل كبّدت المستعمر الفرنسي عدة هزائم، إلا أن العتاد الفرنسي استطاع قلب موازين القوى لصالحه في تلك الفترة، ما دفع العقل التونسي الى تغيير "تكتيك" المعركة، وفق تعبيره.
// النضال الثقافي حافز للنضال السياسي
أفاد الجربي، بأنه بعد إخماد الثورة المسلحة للقبائل التونسية، فرضت فرنسا على الباي معاهدة جديدة في 8 جوان 1883 عرفت ب "اتفاقية المرسى"، أتاحت لفرنسا السيطرة الكاملة على الإدارة والمالية والقضاء، مما حوّل تونس من محمية الى مستعمرة فقدت على إثرها كل مظاهر السيادة.
وبين أن التونسيين اختاروا إثر هذا المنعرج الخطير نهج النضال الثقافي، بتأسيس الجمعيات على غرار "الجمعية الخلدونية" والجرائد مثل جريدة "الحاضرة"، إلى أن تم تأسيس "حركة الشباب التونسي" في 7 فيفري 1907 كأول منظمة وطنية مهيكلة، ضمت نخبة من المثقفين خريجي المدرسة الصادقية، بزعامة علي باش حانبة.
وأكد أن النضال الثقافي، فتح الباب أمام تشكّل وعي سياسي لدى النخب الناشئة في تلك الحقبة، حيث رفع التونسيون مطالب الإصلاح في مطلع عشرينيات القرن الماضي، بقيادة زعامات سياسية ونقابية مثل محمد علي الحامي وعبد العزيز الثعالبي الذي أسس "الحزب الحر الدستوري التونسي".
وتابع الجربي قوله "لقد مثل هذا الحزب منعطفا حاسما في نضال الحركة الوطنية التونسية ضد الاستعمار، أنتج بنية فكرية جديدة زاوجت بين الثقافة الزيتونية والوعي السياسي الحديث، وأدى الى عقد مؤتمر قصر هلال (ولاية المنستير) في 2 مارس 1934 واطلاق "الحزب الحر الدستوري الجديد" بزعامة الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة، وإحياء الحركة النقابية الوطنية بزعامة بلقاسم القناوي مؤسس "جامعة عموم العملة" سنة 1937.
واعتبر أن هذه المحطات، شكلت حلقات تراكمية مترابطة للمطالبة صراحة بانشاء برلمان تونسي وإرساء حكومة وطنية، وأدت إلى اندلاع أحداث 9 أفريل 1938 (أسفرت عن مقتل 22 تونسيا وإصابة أكثر من 150 آخرين في مظاهرات حاشدة مناهضة للاستعمار)، والتي أصبحت تونس تُحيي ذكراها سنويا في عيد وطني للشهداء.
وعلق على هذه المرحلة الحاسمة في تاريخ الحركة الوطنية، بأنها تميزت بتوحّد الصف الوطني من أحزاب ومنظمات كالإتحاد العام التونسي للشغل، حيث طالبت هذه الحساسيات بضرورة تحقيق مطلب الاستقلال التام في "مؤتمر ليلة القدر" المنعقد في 23 أوت 1946 (الموافق لليلة 27 رمضان أنذاك).
// عبقرية التعريف بالقضية التونسية
أكد الجربي أن تدويل القضية التونسية، ساعدها في كسب أنصار لها في المنظمات الإقليمية على غرار جامعة الدول العربية، وكذلك الدولية على غرار منظمة الأمم المتحدة، حيث نجحت الحكومة التونسية، في إدراج القضية التونسية، كأول قضية استقلال عربية، ضمن جدول أعمال الجمعية العامة للمنظمة الأممية ومناقشتها في نوفمبر 1952، إثر شكوى رسمية تقدمت بها ضد الحكومة الفرنسية.
وذكّر بأن هذه الخطوة التاريخية الفارقة، كانت قد سبقتها تطورات حاسمة في مسار الحركة الوطنية، حيث تنامت حملات الاعتقال في صفوف مناضليها، نتيجة إندلاع الثورة الشعبية المسلحة ضد الاستعمار الفرنسي في 18 جانفي 1952 بقيادة "الفلاّقة" في عدة مناطق بالبلاد، مطالبة بالاستقلال.
// حالة من التصدّع قبل الاستقلال..
وأفاد الجربي، بأن "حالة التصدّع" التي عرفتها الحركة الوطنية قبل تاريخ 20 مارس 1956، برزت بالخصوص بعد أن وقعت الحكومة التفاوضية التونسية برئاسة الطاهر بن عمّار على إتفاقية الحكم الذاتي (أو الاستقلال الداخلي) مع الحكومة الفرنسية في 3 جوان 1955 بباريس.
وأوضح أن هذه الخطوة رغم أهميتها، أدت إلى انقسام داخل الحزب الحر الدستوري الجديد بين مؤيديها بقيادة الحبيب بورقيبة (الذي لعب دورا بارزا في المفاوضات مع الجانب الفرنسي)، والمعارضين لها بقيادة صالح بن يوسف (الأمين العام للحزب) الذين اعتبروها "خطوة ناقصة"، ما أدى إلى شرخ في الحزب ونشوب صراع بين الطرفين.
وأكد أنه رغم هذه الأوقات "العصيبة" التي مرت بها الحركة الوطنية، إلا أن اتفاقية الحكم الذاتي مهدت الطريق لمفاوضات لاحقة مع حكومة الاستعمار قادها كل من بورقيبة وبن عمّار، وأدت في النهاية إلى توقيع وثيقة الاستقلال التام في 20 مارس 1956، والغاء معاهدة الحماية الفرنسية لعام 1881، لتنهي بذلك 75 عاما من الاستعمار الفرنسي.
// عيد الاستقلال ..عنوان جامع
يرى العديد من المراقبين، أن الأعياد الوطنية تمثل دائما "نقطة الالتقاء" في لحظات التنافس السياسي والتدافع بين مختلف الحساسيات الفكرية، فقد اعتبر الباحث في علم الاجتماع السياسي زياد بن محمد ، في تصريح لوكالة تونس افريقيا للأنباء، أن عيد الاستقلال "هو المساحة النظرية التي تنبني فيها الثقة بين كل قوى المجتمع، والطاقة المولدة لمفهوم الاندماج الاجتماعي والإنتماء المشترك".
وقال الباحث "إن الأمم الصلبة، هي تلك التي تحافظ على مواعيدها المرجعية كعيد الاستقلال وعيد الجمهورية، باعتبارها محركا رمزيا لتوحيد الذاكرة وتقوية الحس المدني في مقابل الحس القبلي الضيق"، مضيفا "أن الدول التي تتمتع بوحدة مدنية قوية، هي تلك التي تتفق في مخيالها الجماعي على ذاكرة موحّدة لا تقبل التشكيك".
ودعا المؤسسات الأرشيفية والمعهد العالي لتاريخ الحركة الوطنية، الى تعميم بحوثهم عبر المحامل الرقمية، حتى يتسنى لكل التونسيين الاطلاع على تاريخ الحركة الوطنية بكل انصاف على المستويين "السياسي التفاوضي" الذي قاده السياسيون والمثقفون والنقابيون ..و"الميداني الثائر" الذي قاده من حملوا البارود على أكتافهم، وفق تعبيره.
وانتقد في هذا الجانب، الطرح الأكاديمي الذي يعطي أهمية للجانب السياسي فقط في تاريخ الحركة الوطنية، معتبرا أن شخصيات مثل الطاهر الأسود (من أبرز قادة المقاومة المسلحة "الفلاّقة") والخضراء الفلاّقة (أصيلة قابس، شاركت في المقاومة المسلحة)، لم يحظوا بالاهتمام الأكاديمي اللائق بنضالهم من أجل استقلال تونس.
ودعا الباحث الى إيلاء كل المناضلين في حركة التحرير الوطني، نفس الحظ من التقدير الأكاديمي والإهتمام المعرفي، حتى لا يتحوّل الاستقلال وذكراه المجيدة لرواية سياسية يسردها المنتصرون فقط، على حد قوله.




10° - 24°








