فريد بلحاج: سيادة تونس المستقبلية تمرّ عبر التنمية البشرية والطاقة والمالية والغذاء

دعا نائب رئيس مجموعة البنك الدولي السابق لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، فريد بلحاج، إلى إعادة صياغة النموذج التنموي التونسي على أساس ما وصفه بـ "السيادة الرباعية" القائمة على الأبعاد البشرية والغذائية والمالية والطاقية - التكنولوجية، معتبرا أن البلاد تقف اليوم أمام لحظة حاسمة تستوجب مراجعة جذرية للخيارات الاقتصادية والاستراتيجية.
وأكد بلحاج، في تدخل له عن بعد عبر تقنية الفيديو، خلال المنتدى السنوي الدولي 17 الذي نظمته مجلة "لإيكونوميست ماغريبان" (الاقتصادي المغاربي)، الخميس بتوني العاصمة، تحت شعار "تونس: 70 سنة من الاستقلال.. تحديد المسار وساعة الاختيارات"، أن العالم يعيش حاليا ما أسماه بـ "مرحلة تعدّد الأزمات" التي تتداخل فيها التحديات الاقتصادية والمناخية والطاقية والتكنولوجية والجيوسياسية، مضيفا أن ذلك يفرض على الدول تدعيم قدرتها على إدارة نقاط هشاشتها والحفاظ على استقلالية قرارها.
واعتبر أن مفهوم السيادة في القرن 21 لم يعد يعني الاكتفاء الذاتي، فهو يتعدى ذلك إلى "القدرة على تنظيم العلاقات الدولية بذكاء وتقليص مواطن الضعف الاستراتيجية"، مشيرا إلى أن تونس مطالبة اليوم بتغيير أدوات التفكير التي اعتمدتها لعقود في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الاقتصاد العالمي.
وبين المتحدث أن العالم دخل مرحلة "التفكك الجيو-اقتصادي"، حيث لم تعد القوى الكبرى تبحث، فقط، عن النمو وإنّما عن الأمن الطاقي والسيادة التكنولوجية والتحكم في سلاسل الإمداد والبنى التحتية الحيوية، معتبرا أن الجغرافيا الاستراتيجية عادت لتلعب دورا محورياا في تحديد موازين القوة الاقتصادية.
وأبرز بلحاج، ضمن هذا السياق، أن الموقع الجغرافي لتونس يمثل فرصة استراتيجية كبرى باعتبارها تقع عند تقاطع أوروبا وإفريقيا والبحر الأبيض المتوسط وعلى مسارات التجارة والطاقة بين الشرق والغرب، مشددا على أن قيمة الدول مستقبلا ستقاس بقدرتها على تنظيم تدفقات الطاقة والتمويل والخدمات اللوجستية والكفاءات البشرية. كما توقف عند التحولات التي يشهدها قطاع الطاقة، معتبرا أن "جيوسياسية الطاقة" أصبحت ترتكز، أساسا، على الشبكات والبنية التحتية والربط الكهربائي والتخزين والموانئ والكابلات الذكية أكثر من اعتمادها على امتلاك الموارد الطبيعية فقط.
وذكّر في هذا الصدد، بمشروع الربط الكهربائي بين تونس وإيطاليا، الذي ساهم البنك الدولي في تمويل جزء منه، معتبرا أنه يعكس التحول الجديد في الجغرافيا الطاقية المتوسطية، وأن الكابلات الكهربائية ستصبح مستقبلا في أهمية خطوط الأنابيب النفطية.
وفي ما يتعلق بالأمن الغذائي، أكد بلحاج أن التحدي الفلاحي في تونس لم يعد مرتبطا بالإنتاج، فحسب، وإنما بمدى قدرة القطاع على الصمود في مواجهة الإجهاد المائي والجفاف وتراجع الموارد المائية، مشددا على ضرورة تطوير فلاحة أكثر اعتمادا على التكنولوجيا والري الذكي وتحديث سلاسل القيمة وتعزيز قدرات التخزين والتصدير.
كما اعتبر أن رأس المال البشري يمثل أهم ثروة تمتلكها تونس، مشيدا بالكفاءات التونسية في مجالات الهندسة والطب والتكنولوجيا سواء داخل البلاد أو ضمن الجالية بالخارج، غير أنه لفت إلى أن بطالة أصحاب الشهادات العليا تتجاوز أحيانا 35 بالمائة وأن هجرة الكفاءات أصبحت تمثل ما وصفه "نزيفا للسيادة" لأن البلاد تكوّن كفاءات تستفيد منها اقتصادات أخرى. وشدد على أن تكوين مختصين في مجالات الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والطاقة والفلاحة يعتبر اليوم "سياسة سيادية" مرتبطة مباشرة بقدرة الدولة على الحفاظ على استقلالية قرارها.
وفي الجانب المالي، وصف فريد بلحاج الوضع المالي العمومي بأنه أحد أبرز مواطن الهشاشة، مشيرا إلى أن الدين العمومي تجاوز 80 بالمائة من الناتج الداخلي الخام فيما تجاوزت كتلة الأجور العمومية 13 بالمائة من الناتج، معتبرا أن المديونية أصبحت قضية سيادة وليست مجرد مسألة مالية. وأضاف أن جزءا كبيرا من الادخار الوطني يوجه حاليا إلى تمويل حاجيات الدولة عبر سندات الخزينة على حساب تمويل الاستثمار والمؤسسات الاقتصادية، قائلا: "إن البنوك تمول حاضر الدولة أكثر مما تمول مستقبل البلاد".
وأبرز في سياق متصل، أن الثقة ووضوح القوانين وسرعة اتخاذ القرار والمصداقية المؤسساتية أصبحت تمثل عناصر أساسية للتنافسية الاقتصادية، مستشهدا بتجارب دول مثل كوريا الجنوبية وسنغافورة وفيتنام والمغرب التي نجحت، وفق تقديره، في بناء شراكة فعالة بين الدولة والقطاع الخاص ضمن رؤية استراتيجية طويلة المدى.




18° - 28°








