ذروة الطلب على الكهرباء .. تحدٍّ يتجاوز الإنتاج


الطاقات المتنجددة، والتخزين، وترشيد الاستهلاك.. مسارات لمواجهة الضغط على الشبكة

لم تكن موجات الحر خلال الصيف الماضي مجرد ظاهرة طقس، بل تحولت إلى واقع يومي خانق، وقد تم تسجيل ارتفاع ملحوظ في ذروة الطلب من ذلك، على سبيل الذكر لا الحصر، ارتفاع ذروة الطلب على الكهرباء خلال شهر جويلية 2026 بنسبة 2 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2025، حيث بلغت 4924 ميغاوات في جويلية 2026 فيما كانت تقدر ب 4837 ميغاوات خلال جويلية 2025.
وقد غيرت موجات الحر طبيعة استخدامنا لأجهزة التكييف التي لم تعد رفاهية نلتمسها عند الرغبة، بل أصبحت ضرورة حتمية طوال ساعت اليوم، ما جعل الطلب على الكهرباء يرتفع  بشكل حاد بسبب تزامن ذروة استهلاك البيوت، والمؤسسات والمحال التجارية والخدمات العامة، والنتيجة كانت ضغطا هائلا على الشبكة الكهربائية، التي لم تستطع الصمود وكان اللجوء الى قطع التيار الكهربائي كلما اقتضت الحاجة ..
ولم تقتصر تداعيات انقطاع الكهرباء على انطفاء الأنوار أو توقف المكيفات، حيث تعطلت الحياة اليومية، وتأثر النشاط الاقتصادي ، وحتى حفظ الأغذية أصبح تحديا، فيما توقفت المعدات المرتبطة بالطاقة عن العمل...وكل هذه التفاصيل الصغيرة خلقت تحديات كبرى تتعلق بقدرة منظومة الكهرباء على تلبية الطلب، وبمصادر إنتاج الطاقة وإدارة الاستهلاك وتطوير الشبكات...


هل يكفي الترفيع في الانتاج عندما تبلغ الكهرباء ذروة الطلب ؟

درجات حرارة قياسية


في أيام الحر، لا يرتفع استهلاك الكهرباء بالتدرج نفسه على مدار اليوم، ففي ساعات معينة، تتزامن آلاف عمليات تشغيل أجهزة التكييف والتبريد والإنارة والتجهيزات الكهربائية، كما يستمر في الوقت نفسه استهلاك المؤسسات والمحال والقطاعات الاقتصادية..
وتضع هذه الزيادة المتزامنة منظومة الكهرباء أمام تحد صعب، وهو ليس فقط توفير كمية كافية من الكهرباء، وإنما توفيرها في اللحظة التي يرتفع فيها الطلب إلى أعلى مستوياته.
وبالرجوع الى بيانات المرصد الوطني للطاقة والمناجم، الواردة في تقريره الدوري حول الظرف الطاقي نجد أن إنتاج الكهرباء ارتفع بنسبة 6 بالمائة خلال الأشهر السبعة الأولى من سنة 2026، ليبلغ 12333 جيغاوات ساعة، مقابل 11632 جيغاوات ساعة خلال الفترة ذاتها من سنة 2025.
وسجل إنتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة، التي تشمل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، ارتفاعا بنسبة 61 بالمائة خلال الفترة نفسها، لترتفع مساهمتها في مزيج إنتاج الكهرباء الوطني إلى 9 بالمائة موفى جويلية 2026.
ويعود هذا التطور، وفق المعطيات ذاتها، إلى النمو المسجل في مشاريع الإنتاج المستقل للطاقة، خاصة منها مشاريع الطاقة الشمسية الموجهة للاستهلاك الذاتي والإنتاج الخاص.
وفي هذا الإطار، بلغ إجمالي تركيبات الطاقة الشمسية الكهروضوئية حوالي 515 ميغاوات في القطاع السكني المرتبط بشبكة الضغط المنخفض، إلى جانب 130 ميغاوات في القطاعات الصناعية والخدمية والفلاحية المرتبطة بشبكتي الضغط المتوسط والعالي.
كما ارتفع إنتاج مشاريع الطاقة الشمسية المستقلة إلى 359 جيغاوات ساعة خلال الأشهر السبعة الأولى من 2026، مقابل 39 جيغاوات ساعة خلال الفترة ذاتها من 2025. 
ورغم تنامي مساهمة الطاقات المتجددة، ظل الغاز الطبيعي المصدر الرئيسي لإنتاج الكهرباء، بحصة بلغت 90.8 بالمائة من إجمالي الإنتاج الوطني إلى موفى جويلية 2026..
وغطت الشركة التونسية للكهرباء والغاز 91 بالمائة من الإنتاج الوطني للكهرباء، في حين تراجعت واردات الكهرباء بنسبة 2 بالمائة، لتوفر حوالي 10 بالمائة من حاجيات السوق المحلية .
لكن هذه الأرقام لا تعني أن ارتفاع الإنتاج  يجب أن يؤدي إلى اختفاء الانقطاعات حيث ان 12333 جيغاوات ساعة المذكورة هي كمية تراكمية خلال سبعة أشهر، بينما ذروة الطلب هي قدرة لحظية تقاس بالميغاواط.
وبالتالي نستنتج ان قدرة منظومة الكهرباء لا تقاس فقط بكمية الطاقة التي تنتجها خلال فترة معينة، وإنما أيضا بقدرتها على تلبية الطلب عندما يرتفع بسرعة وفي وقت متزامن.

 

 

وتوضح تصريحات مسؤولي الشركة التونسية للكهرباء والغاز أن جزءا من المشكلة يرتبط بالضغط الذي تفرضه ذروة الطلب على المنظومة الكهربائية، حيث أكدت مديرة الإدارة التجارية والتسويق بالشركة التونسية للكهرباء والغاز، هند النيفر في تصريح اعلامي يوم 16 جويلية 2026، إن الطلب خلال فترة الذروة ارتفع بنحو 30 بالمائة مقارنة بالاستهلاك العادي، في ظل الاستعمال المكثف لأجهزة التكييف، مشيرة إلى أن الشركة لجأت إلى القطع الدوري والمؤقت لتفادي حدوث خلل في المنظومة أو انقطاع شامل للكهرباء، داعية إلى ضرورة ترشيد الاستهلاك .
وفي السياق نفسه، أوضح الرئيس المدير العام للشركة التونسية للكهرباء والغاز فيصل طريفة في تصريح أدلى به في نفس فترة ذروة الطلب خلال الصيف الماضي، أوضح أن الشركة تلجأ إلى تخفيف الأحمال على بعض الخطوط خلال فترات الضغط المرتفع من أجل الحفاظ على  استقرار الشبكة، داعيا بدوره المواطنين إلى ترشيد الاستهلاك خلال ساعات الذروة.

من إنتاج المزيد إلى إدارة الطلب


تعمل منظومة الكهرباء على تحقيق توازن مستمر بين الإنتاج والاستهلاك، فعندما يرتفع الطلب، تحتاج المنظومة إلى توفير إنتاج وقدرات نقل وتوزيع قادرة على مواكبته. 
ويشرح الخبير الدولي في النجاعة الطاقية علي الكنزاري أن ارتفاع درجات الحرارة يدفع إلى زيادة استعمال أجهزة التكييف والتبريد، خصوصا عندما يتزامن ذلك مع النشاط الاقتصادي والخدماتي،مشيرا إلى أن التعامل مع هذه الفترات لا يرتبط فقط بزيادة إنتاج الكهرباء، وإنما أيضا بكيفية إدارة الطلب عليها.
ويفسر الكنزاري ان ارتفاع الطلب لا يعني تلقائيا أن كل انقطاع للكهرباء ناتج عنه، فالانقطاعات يمكن أن ترتبط بعوامل مختلفة في منظومة الإنتاج والنقل والتوزيع، وهو ما يجعل تحديد سبب كل حالة مسألة تحتاج إلى بيانات تشغيلية دقيقة.
وبالتالي فإن السؤال الذي تطرحه هذه المعطيات ليس فقط كمية الكهرباء التي يمكن إنتاجها، وإنما أيضا كيف تتعامل المنظومة مع الساعات التي يصل فيها الاستهلاك إلى أعلى مستوياته وفق تعبيره..
ولا تعني إدارة الطلب وفق الخبير في الطاقة علي الكنزاري مطالبة المواطنين بالتخلي عن حاجاتهم الأساسية، خصوصا في فترات الحر، وإنما تهدف إلى تقليل الطاقة اللازمة للحصول على الخدمة نفسها، أو نقل جزء من الاستهلاك من ساعات الذروة إلى أوقات يكون فيها الضغط على الشبكة أقل، عندما تسمح طبيعة الاستخدام بذلك. فعلى مستوى المنزل، يمكن أن تبدأ الإجراءات من أمور بسيطة مثل صيانة أجهزة التكييف وتنظيفها، وضبط درجات الحرارة بشكل مناسب، واختيار تجهيزات أكثر كفاءة في استهلاك الطاقة، كما يمكن تأجيل بعض الاستخدامات غير الضرورية إلى خارج ساعات الذروة بدل تشغيل عدة تجهيزات كهربائية في الوقت نفسه، إلى جانب تحسين عزل المباني،.

 

كيف يمكن خفض الطلب في ساعة الذروة؟

 

ولا تكمن أهمية هذه الإجراءات في أثر جهاز واحد أو منزل واحد لان القيمة تظهر عندما يتكرر السلوك نفسه على نطاق واسع وفق الكنزاري، فإذا خفض آلاف المستهلكين استهلاكهم في الفترة نفسها، ولو بصفة بسيطة، يمكن أن يتحول مجموع التخفيضات إلى فرق ملموس في الحمل الواقع على الشبكة. ومن هنا يؤكد الكنزاري أن إدارة الطلب تنتقل من نصيحة فردية إلى أداة يمكن أن تدخل ضمن سياسات الطاقة.
وفي هذا الاطار يضيف الخبير الدولي في النجاعة الطاقية علي الكنزاري أن إدارة الطلب، تحتاج إلى أكثر من دعوة عامة إلى  ترشيد الاستهلاك، فهي تتطلب معرفة متى يبلغ الطلب ذروته، ومن هم أكبر المستهلكين، وما الاستخدامات التي يمكن نقلها إلى أوقات أخرى دون التأثير في الخدمات الأساسية.
ومن بين الأدوات الممكنة في هذا المجال وفق الكنزاري تحسين كفاءة المباني، وتشجيع استعمال التجهيزات ذات الاستهلاك المنخفض، وتطوير برامج للتحكم في الطلب لدى المؤسسات والمنشآت ذات الاستهلاك المرتفع، إلى جانب توفير معلومات واضحة للمستهلكين حول فترات ارتفاع الطلب.
وهنا يمكن أن تلعب البيانات دورا حاسما، فبدل التعامل مع الاستهلاك كرقم إجمالي في نهاية الشهر، يسمح تحليل الاستهلاك بالساعة أو بنصف الساعة بتحديد اللحظات التي يتشكل فيها الضغط الأكبر على الشبكة، والقطاعات التي تساهم فيه، والتدخلات التي يمكن أن تخففه. 
ويخلص الكنزاري الى  ان إدارة الطلب تطرح  تصورا مختلفا للعلاقة بين المستهلك وشبكة الكهرباء، فالمستهلك لا يكون فقط الطرف الذي يستهلك الطاقة، بل يمكن أن يصبح جزءا من إدارة الضغط عليها، إذا توفرت له المعلومات والحوافز والأدوات التي تسمح له بتعديل استهلاكه دون المساس بحاجاته الأساسية.

 

الاستثمار في الطاقات المتجددة جزء من الحل..


لا تتوقف الحلول عند إدارة الاستهلاك، فتنويع مصادر الإنتاج يمثل مسارا آخر لتقليل الاعتماد على المصادر التقليدية خاصة وان تونس تمتلك موارد شمسية مهمة تجعل الطاقة الشمسية أحد الخيارات المطروحة لتنويع إنتاج الكهرباء وتقليص الاعتماد على المصادر التقليدية.

 


وتسعى  الدولة إلى تطوير هذا القطاع من خلال مشاريع جديدة، من بينها الجولة السادسة لإنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية "نظام التراخيص"التي أطلقتها وزارة الصناعة والمناجم والطاقة في أفريل 2026، واسفرت، في سبتمبر 2026، عن قبول 309 مطالبا لإنجاز مشاريع شمسية بقدرة إجمالية تناهز 455 ميغاواط.
وكانت الجولة الخامسة قد افرزت تجارب استثمارية تؤكد إمكانية تطوير إنتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة، من خلال مشاريع خاصة، من ذلك تجربة المستمر مكرم شيخة، الذي أنجز محطة لإنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية الفولطاضوئية على مساحة تقارب أربعة هكتارات، ويغطي إنتاجها حاجيات نحو ألفي ساكن.
ويرى شيخة أن تجربته تشجع بقية المستثمرين على دخول هذا المجال، لكنه يشدد في المقابل على ضرورة مزيد دعم المؤسسات البنكية والمالية، معتبرا أن صعوبة توفير التمويل تمثل أبرز العوائق أمام عدد من الراغبين في الاستثمار في مشاريع مماثلة.
وفي ذات الإطار، تخوض ريم شلبي، وهي تونسية مقيمة بالخارج ودكتورة في الصيدلة، تجربة استثمارية في مدنين من خلال مشروع لإنتاج الكهرباء بالطاقة الشمسية الفولطاضوئية بقدرة 4 ميغاواط، 
وتقول ريم شلبي إن المشروع، الذي تم إنجازه بالتعاون مع عدد من المتدخلين، استفاد من دعم الدولة ومرافقة المؤسسات البنكية، ما مكّن من استكمال مختلف مراحل المشروع، من التراخيص إلى التركيب ودخول المحطة حيز الاستغلال.
وأكدت شلبي من خلال تجربتها أن المرافقة يمكن أن تكون حاسمة بالنسبة إلى المستثمر، خصوصا عندما يكون وافدا جديدا على القطاع، مشيرة إلى أنها لم تكن متخصصة في مجال الطاقة عند انطلاق المشروع، لكنها تمكنت تدريجيا من فهم مسارات الاستثمار والتمويل والإجراءات اللازمة بفضل المرافقة التي تلقتها.


 

وفي هذا السياق يعتبر الرئيس المدير العام لبنك تمويل المؤسسات الصغرى والمتوسطة، وجيه حسين، أنه من بين أولويات تدخل الدولة، في إطار ما تقوم به وزارة الصناعة ووزارة التشغيل والجهات المعنية، تتجه نحو مثل هذه المشاريع التي تستجيب لهذه الأولويات، وخاصة الانتقال الطاقي وتقليص الواردات ودعم المؤسسات الصغرى والمتوسطة.
وأوضح حسين أن محدودية الموارد تفرض توجيه التمويلات نحو أكبر عدد ممكن من المشاريع ذات الجدوى والأثر الاقتصادي، مشيرا إلى أن البنك يساهم في تمويل مشاريع الطاقة من خلال آليات مختلفة، من بينها قروض بنسبة فائدة ثابتة في حدود 8 في المائة دون عمولات، مع إمكانية منح فترة إمهال تمتد إلى سنة أو سنتين، إلى جانب قروض مساندة بنسبة فائدة صفر بالمائة، بحسب طبيعة المشروع والموارد المتاحة.
وأشار المدير العام لبنك تمويل المؤسسات الصغرى والمتوسطة كذلك إلى أن هذا التمويل يمكن أن يشمل مشاريع المؤسسات الصغرى والمتوسطة، ومنها مشاريع الطاقة الشمسية، التي تتراوح كلفتها بين مئتي ألف ومئتين وخمسين ألف دينار، مشددا في سياق حديثه على أهمية تدخل المؤسسات المالية وتنسيق جهودها لتمكين المستثمرين من إنجاز مشاريعهم.
وتبرز تجربة المستثمرين ريم شلبي ومكرم شيخة، أن الاستثمار في الطاقة الشمسية لا يتوقف على توفر الموارد الطبيعية والمبادرة الخاصة فحسب، بل يحتاج أيضا إلى بيئة تمويل ومرافقة إدارية ومؤسساتية قادرة على تحويل هذه المبادرات إلى مشاريع منتجة للطاقة، بما يعزز مساهمة الطاقات المتجددة في منظومة إنتاج الكهرباء في تونس.

 

 

شبكة ذكية جزء من الحل


كلما توسعت الطاقة الشمسية وتغيرت أنماط الاستهلاك، أصبحت الشبكة مطالبة بالتعامل مع مصادر إنتاج ومستهلكين أكثر تنوعا، وهنا تبرز أهمية العدادات الذكية فالشركة التونسية للكهرباء والغاز تطور برنامجا للشبكات الذكية يتضمن نشر بنية للعدادات المتصلة وإدارة الطلب ودمج مصادر الطاقة المتجددة.
وتقول الشركة إن البرنامج يستهدف تحسين منحنى الأحمال، والحد من الخسائر، وتحسين العلاقة مع الحريف، وتسهيل إدماج الطاقات المتجددة في الشبكة. 
وتشمل المرحلة الأولى، وفق المعطيات المنشورة من الشركة، نشر نحو 340 ألف عداد كهرباء منخفض التوتر و25 ألف عداد لفئات الجهد المتوسط وكبار المستهلكين ضمن مناطق محددة.
وفي أحدث معطيات منشورة حول المشروع، في أفريل 2026 يتبين أن الشركة تسعى إلى بلوغ نحو 500 ألف عداد ذكي مركب بحلول نهاية سنة 2026. ويشمل هذا الرقم مختلف مكونات برنامج العدادات الذكية، وليس فقط عدادات الكهرباء منخفضة التوتر وفق معطيات الشركة. 
وتكمن أهمية هذه التقنية في أنها يمكن أن تجعل المستهلك أكثر اطلاعا على استهلاكه، وتوفر للمشغل بيانات أفضل لإدارة الشبكة لكنها ليست حلا مستقلا للانقطاعات، فقيمتها  تكمن في أنها توفر بيانات أكثر دقة حول الاستهلاك، بما يسمح بفهم متى يرتفع الطلب وأين، وفي تطوير أدوات أفضل لإدارة الأحمال، وهذا مهم بشكل خاص للانتقال من الترشيد العام إلى إدارة الطلب اعتمادا على بيانات حقيقية.
وهكذا يمكن القول إن الطاقة الشمسية تحتاج إلى شبكة قادرة على استيعابها، وإدارة الطلب تحتاج إلى بيانات، والبيانات تحتاج إلى عدادات وشبكات ذكية، بينما لا يمكن لأي من هذه الحلول أن يعوض الاستثمار في البنية الأساسية.

 

 

الى ذلك وفي اطار تنويع الشبكات ومصادر الطاقة، تراهن البلاد على الانتقال الطاقي في المنشآت العمومية الذي يواصل تقدمه ليشمل نحو 350 منشأة، وفق ما أكده المدير العام للوكالة الوطنية للتحكم في الطاقة نافع البكاري في كلمة ألقاها بمناسبة انعقاد الدورة الرابعة للصالون الدولي للانتقال الطاقي، الخميس 01 أكتوبر، مشيرا إلى دخول 112 مشروعا حيز الاستغلال على شبكة الجهد المنخفض و47 مشروعا على شبكة الجهد المتوسط، إلى جانب 24.9 ميغاواط من القدرات المركبة التي هي في طور الإعداد النهائي للتشغيل.
ودعا المدير العام للوكالة الوطنية للتحكم في الطاقة مختلف الفاعلين الاقتصاديين إلى تعزيز تسريع نسق العمل وإرساء شراكات متينة قائمة على الثقة المتبادلة، بما يتيح تحويل الإمكانات الطبيعية التي تزخر بها تونس والخبرات الوطنية إلى إنجازات مستدامة.

 

 كما راهنت الدولة على الانتاج الذي الذاتي يتيح للأسر والمؤسسات استهلاك الكهرباء التي تنتجها منظوماتها الشمسية مباشرة، مع ضخ الفائض في الشبكة وفق شروط الربط، حسب الشركة التونسية للكهرباء والغاز، وهو ما يعني أن الطاقة الشمسية يمكن أن تخفض، إلى جانب قيمة الفاتورة، كمية الكهرباء التي يسحبها المستهلك من الشبكة خلال ساعات الإنتاج.
وتشجع تونس هذا التوجه من خلال برنامج "بروسول إلك الاقتصادي" للفترة 2024-2026، الذي يستهدف نحو 65 ألف أسرة، ويوفر منحة بقيمة 1500 دينار إلى جانب قرض بفائدة مخفضة يسدد عبر فاتورة الكهرباء، وفق المعطيات المنشورة من الشركة التونسية للكهرباء والغاز والوكالة الوطنية للتحكم في الطاقة.ذ


وبخصوص الإنتاج الذاتي في الجهدين المتوسط والعالي، وفي أحدث ظهور له في هذا الملف، خلال افتتاح الصالون الدولي للانتقال الطاقي يوم 1 أكتوبر 2026 بالعاصمة، أكد كاتب الدولة للانتقال الطاقي وائل شوشان  على ضرورة تنويع مصادر الطاقة لمواجهة العجز الطاقي الهيكلي الذي تعاني منه تونس، مؤكدا على ضرورة تضافر جهود مختلف الأطراف من قطاعين عام وخاص وخبراء للانتقال التدريجي من الاعتماد على الغاز الطبيعي نحو تنويع مصادر الطاقة.
وكان شوشان قد قد صرح  خلال يوم دراسي تم تنظيمه بتارخ 22 أفريل 2026 عن إنجاز حوالي 1500 مشروع بقدرة جملية تناهز 1500 ميغاواط مربوطة بالشبكة الوطنية، مضيفا أن العمل متواصل من أجل توفير مزيد من التسهيلات لدعم مشاركة المؤسسات الاقتصادية والصناعية.


وفي ما يتعلق بالمشاريع المبرمجة للفترة 2026 - 2027، أفاد شوشان في ذات التصريح أن اللجنة العليا للإنتاج الخاص للكهرباء قررت خلال اجتماعها في ديسمبر 2025 ، إسناد عدد من المشاريع تشمل طلب عروض الدورة الثانية للطاقة الشمسية ويتضمن مشروعا بقدرة 100 ميغاواط بكل من رمادة يولاية تطاوين، ومنزل الحبيب بولاية قابس.
كما أشار كاتب الدولة إلى مشروع البرمة بولاية تطاوين بقدرة تقارب 300 ميغاواط مع نظام لتخزين الطاقة في حدود 540 ميغاواط ، إلى جانب الدورتين 3 و4 اللتين تشملان مشاريع بقدرة 100 ميغاواط لكل منهما مع طاقة تخزين تناهز 160 ميغاواط.
وسبق أن أعلنت وزارة الطاقة عن مشروع محطة شمسية في بازمة بولاية قبلي مرفقة بنظام لتخزين الكهرباء بالبطاريات، لما يكتسيه التخزين من اهمية  بالتوازي مع توسع الاعتماد على الطاقة الشمسية، باعتبار أن إنتاجها يرتبط بساعات سطوع الشمس، بينما يستمر الطلب على الكهرباء خارج هذه الفترة، بالإضافة إلى مشروع لطاقة الرياح بقدرة 77.25 ميغاواط بفريانة منولاية القصرين. 
ومن المشاريع الهيكلية الاخرى في مجال طاقة الرياح بكل من جبل عبد الرحمان بولاية نابل، بقدرة تناهز 250 ميغاواط ، ومنطقة القصر بولاية قفصة قدرته نحو 200 ميغاواط، وطباقة من ولاية قبلي قدرته حوالي 500 ميغاواط.


هذا واطلقت الوكالة الوطنية للتحكم في الطاقة، بداية شهر اكتوبر الجاري، مشروع الطاقة الشمسية الفولطاضوئية "شمس "، لفائدة المؤسسات الصغرى والمتوسطة، بتمويل من البنك الإفريقي للتنمية، في إطار دعم الإنتقال الطاقي وتحفيز الإستثمار الخاص في الطاقات المتجددة.
ويهدف مشروع "شمس" إلى إرساء آلية لدعم تمويل مشاريع إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية الفلطاضوئية الموجهة للإستهلاك الذاتي لفائدة المؤسسات الصغرى والمتوسطة، بما في تحسين النجاعة الطاقية والرفع من تنافسية النسيج الإقتصاد الوطني.
وبدوره أوضح مدير إدارة الطاقة الشمسية  بالوكالة الوطنية للتحكم في الطاقة  كريم النفزي أن دعم الاستثمار في الطاقات المتجددة يمثل أحد المسارات العملية لمواجهة الوضع الطاقي الراهن في تونس، معتبرا أن الطاقات المتجددة أصبحت أولوية لتجاوز هذا العجز وتنويع مصادر الطاقة. 
وحسب النفزي، لا يقتصر دور الوكالة الوطنية للتحكم في الطاقة على تنفيذ سياسة الدولة في مجال الانتقال الطاقي، بل يشمل مرافقة المؤسسات الراغبة في الاستثمار، سواء عبر الإحاطة الفنية أو إعداد دراسات الجدوى أو الدعم المالي من خلال صندوق الانتقال الطاقي. ويشمل هذا التوجه المؤسسات الصناعية والخدماتية والفلاحية، إلى جانب القطاع العام والمواطنين، باعتبار أن الاستثمار في النجاعة الطاقية والطاقة المتجددة يمكن أن يحقق أثراً اقتصادياً على المؤسسات والمجموعة الوطنية والمستهلك.
ويبرز الإنتاج الذاتي، وفق النفزي، كأحد الحلول التي تجمع بين إنتاج الكهرباء وترشيد استهلاكها، إذ يمكن لبعض الأنظمة الفولطاضوئية المرتبطة بشبكة الجهد المنخفض أن تتيح للمستفيد اقتصادا يصل إلى 100 بالمائة من استهلاكه من الكهرباء المسحوبة من الشركة التونسية للكهرباء والغاز، فيما يمكن لمشاريع أخرى، خصوصا لدى الصناعيين وقطاعات الخدمات والفلاحة، أن تحقق اقتصادا في الطاقة يتراوح بين 20 و60 بالمائة، بما ينعكس على قيمة الفاتورة الكهربائية.
ويشير ذات المصدر إلى أن المواطنين يمثلون بدورهم شريحة مهمة من المستفيدين من هذا التحول، إذ تجاوز عدد الأنظمة الفولطاضوئية المركبة لديهم 150 ألف نظام، فيما تتجاوز المساحة المركبة من السخانات الشمسية مليون متر مربع، ما يعكس تنامي وعي المواطنين والمؤسسات بالمردودية الاقتصادية والفنية للاستثمار في الطاقات المتجددة، فضلا عن مساهمته في تقليص الاعتماد المباشر على شبكة الكهرباء والغاز.

 

 

لكن الطاقة الشمسية لا تقدم وحدها حلا كاملا لمشكلة الذروة فالطاقة الشمسية تنتج أساسا خلال ساعات النهار، في حين يمكن أن تمتد فترات الضغط على الشبكة إلى ساعات المساء، وبالتالي فان انتشار الإنتاج الذاتي لا يعني الاستغناء عن الشبكة فحجم الاستفادة يبقى مرتبطًا بقدرة المنظومات على الإنتاج في وقت الحاجة، وبشروط الربط وقدرة الشبكة المحلية على استيعاب الكهرباء المنتجة، لذلك، يبدو تحدي الطاقة الشمسية في تونس مرتبطًا ليس فقط بزيادة الإنتاج، وإنما أيضًا بقدرة الشبكة على استيعاب هذا الإنتاج وتخزينه والاستفادة منه في الوقت المناسب.

التخزين جزء من نجاح الاستثمار في الطاقات المتجددة..


كلما توسعت الطاقات المتجددة المتغيرة، أصبحت مسألة تخزين الكهرباء أكثر أهمية، فالهدف ليس فقط إنتاج الكهرباء من الشمس، وإنما القدرة على الاستفادة من جزء من هذا الإنتاج عندما يرتفع الطلب في وقت لا تكون فيه الشمس متاحة.
ولهذا أدرجت السلطات التونسية التخزين ضمن البرامج المرتبطة بتطوير المنظومة الكهربائية، إلى جانب تطوير الشبكة والعدادات الذكية.
وقال المدير العام للوكالة الوطنية للتحكم في الطاقة، نافع البكاري، في كلمة ألقاها بمناسبة انعقاد الدورة الرابعة للصالون الدولي للانتقال الطاقي، الخميس 01 أكتوبر إن الوكالة تعمل على تطوير الشبكات لرفع قدرتها على استيعاب الطاقات المتجددة، بالتوازي مع الاستعداد لتحديات أصبحت واقعا، من بينها تخزين الطاقة والتنقل الكهربائي والشبكات الذكية والربط الطاقي الإقليمي.
ودعا المدير العام للوكالة الوطنية للتحكم في الطاقة مختلف الفاعلين الاقتصاديين إلى تعزيز تسريع نسق العمل وإرساء شراكات متينة قائمة على الثقة المتبادلة، بما يتيح تحويل الإمكانات الطبيعية التي تزخر بها تونس والخبرات الوطنية إلى إنجازات مستدامة.

الحلول لا تعمل منفردة والانتقال الطاقي هو الأساس


اذن بناء على ما سبق يتبين أن معالجة الضغط على شبكة الكهرباء لا يمكن أن يقوم على حل واحد، فزيادة الإنتاج ضرورية، لكنها تحتاج إلى وقت واستثمارات وشبكات قادرة على نقل الكهرباء، والطاقة الشمسية تتيح تنويع مصادر الإنتاج وتقليل الاعتماد على الشبكة لبعض المستهلكين، لكنها تحتاج إلى التخزين وتطوير الشبكات، أما الترشيد وإدارة الطلب فيمكن أن يخففا الضغط خلال الذروة، لكنهما لا يعوضان الاستثمار في الإنتاج والنقل والتوزيع.
وتوسيع هذه الحلول يواجه تحديات واضحة في علااقة بالتمويل، وكلفة التجهيزات، وقدرة الشبكات على استيعاب الإنتاج اللامركزي، والحاجة إلى التخزين، والإطار التنظيمي.
وهنا وجب خلق اليات وحفوافز لتوفير التمويل والتجهيزات ، وفي هذا السياق طالب رئيس المجمع المهني للطاقات المتجددة بكونكت، الصادق بسباس، في تصريح اذاعي، بتخفيض الأداءات والمعاليم الديوانية على تجهيزات الطاقة الشمسية وأنظمة التخزين.
وأوضح بسباس، أن المجمع راسل وزارتي المالية والصناعة والطاقة بخصوص مقترحاته حول هذه المسألة،
تمثلت في تخفيض الأداءات والمعاليم الديوانية إلى 0% على توريد اللاقطات الشمسية وبطاريات التخزين.

 
هذا الى جانب ضرورة ربط شراكات دولية في الطاقات المتجددة، وفي هذا السياق، قال وزير التجهيز والإسكان المكلف بتسيير وزارة الصناعة والمناجم والطاقة صلاح الزواري، خلال الاجتماع الوزاري الثاني لمشروع الممر الجنوبي للهيدروجين المنعقد خلال شهر اكتوبر الجاري بالجزائر، إن الانتقال الطاقي يمثل فرصة لبناء شراكة جديدة بين شمال إفريقيا وأوروبا، تقوم على التكامل والاستثمار المشترك وتطوير سلاسل القيمة، داعيا إلى تحديد مشاريع قابلة للتنفيذ والتمويل وتعزيز نقل التكنولوجيا.

وأوضح أن تونس تعتمد مقاربة واقعية للانتقال الطاقي تعتمد على مزيد دفع الاستثمار في الطاقات المتجددة وتوظيف التكنولوجيات الحديثة، منها الهيدروجين الأخضر ومشتقاته.

وجدد التزام تونس بمواصلة الحوار مع شركائها الجزائريين والأوروبيين للانتقال من تبادل الرؤى إلى تحديد مشاريع اقتصادية قابلة للتنفيذ والتمويل، مع التركيز على تقييم الجدوى والتأثير البيئي وتعزيز التعاون في البحث والابتكار والنقل التكنولوجي ، بما يضمن تعزيز أمن الطاقة على ضفتي المتوسط.

وتكتسب هذه الشراكات أهمية في إطار الانتقال الطاقي وتنويع مصادر الطاقة وتطوير مشاريع الطاقات النظيفة، لكن من المهم الفصل بين الحلول طويلة الأمد للانتقال الطاقي وبين الإجراءات التي يمكن أن تخفف ضغط الشبكة خلال صيف أو موسم واحد.

وفي أحدث ظهور له في هذا الملف، خلال افتتاح الصالون الدولي للانتقال الطاقي يوم 1 أكتوبر 2026 بالعاصمة، أكد شوشان  على ضرورة تنويع مصادر الطاقة لمواجهة العجز الطاقي الهيكلي الذي تعاني منه تونس، معتبرا أن البلاد تعيش مرحلة انتقال تاريخي في المشهد الطاقي في ظل عجز بلغ نحو 65 بالمائة. وبيّن أن هذا الاختلال يعود إلى تواصل استيراد المواد الطاقية إلى جانب تراجع الاستثمار والإنتاج الوطني في قطاع المحروقات، مؤكدا على ضرورة تضافر جهود مختلف الأطراف من قطاعين عام وخاص وخبراء للانتقال التدريجي من الاعتماد على الغاز الطبيعي نحو تنويع مصادر الطاقة.

ولعلّ اللافت أن كثيرا من هذه الحلول لم تعد مجرد أفكار مطروحة للنقاش، بل كانت في صلب مخرجات الدورة الرابعة للصالون الدولي للانتقال الطاقي، التي أعادت وضع أزمة الطاقة التونسية في إطارها الحقيقي  بوصفها أزمة إنتاج، وأزمة استهلاك وحوكمة واستثمار.

وختاما يمكن القول الحلول لا تقف عند طرف واحد في حيث  تبدأ من المنزل، وتمتد إلى المؤسسة، وإلى المستثمرين الذين يمكن أن يساهموا في تطوير مشاريع الشمس والرياح والتخزين...وتنتهي عند الشبكة الوطنية والسياسات العامة للدولة من خلال توفير الحوافز وتوجيه الاستثمارات والبحث عن الشراكات.
 

عمل صحفي : عفاف الودرني

شارك:

إشترك الأن

تطاوين

21° - 30°
الخميس31°
الجمعة31°
& كلام عالكيف &
La Bonne Fréquence de RTCI
Podium
الصالون الثقافي
 إذاعة الزيتونة
 الخير تونس
أنوار الغروب
نبض المساء
مسيكم بالخير
أصايل
إذاعة القصرين
أصايل

أصايل

17:02 - 20:00

ON AIR
& كلام عالكيف &
La Bonne Fréquence de RTCI
Podium
الصالون الثقافي
 إذاعة الزيتونة
 الخير تونس
أنوار الغروب
نبض المساء
مسيكم بالخير
أصايل
إذاعة القصرين